رئيس مجلس الإدارة محمد عفيفى

رئيس التحرير عبد النبي عبد الستار

مقالات

الباحث اسعد سليم يكتب : السفسطائية ... فن الجدل

الباحث اسعد سليم
الباحث اسعد سليم

أنت إنسان سفسطائي! هل قيلت لك من قبل؟ هل رددها على مسامعك أحد أصدقائك، متهماً إياك بالجدل اللانهائي والذي لا طائل من ورائه؟ إذن نحن الآن بحضرة المدرسة السفسطائية التى شغلت أثينا بأكملها فى القرن الخامس قبل الميلاد.
والسفسطائية ترجمة عربية للكلمة اليونانية ( سوفيتيس ) والتى تعنى المعلمين البلغاء أو معلمي الحكمة، ذلك المعنى الجميل الهادف الذي استُغل كستار لتعليم كل ما هو مضلل وباطل، فأصبحت السفسطة على أياديهم رمزاً لكل ما فيه تزييف للحقائق وفساد فى الحجة وتوجيه المتلقي إلى طرق وعرة لا يستطيع المرء حينها تلمس طريق واحد للنجاة.
كان شباب أثينا فى ذلك التوقيت لديهم رغبة شديدة فى التعلم، فاستغل السفسطائيون ذلك النهم عارضين تعليمهم مقابل الأموال، ولم يكن هناك ملاذ آخر للشباب سواهم.
أهمل السفسطائيون علوم الرياضيات والطبيعة لأنها لا تتوافق مع أغراضهم، واتجهوا بدلاً من ذلك إلى تدريس الفنون التى يجوز فيها الجدل، ويُقبل فيها الرأى الشخصى كالبلاغة والخطابة والتاريخ، فعلّموا اليونانيين أساليب الخطابة وفن اقتناص الكلمات فى المواقف المختلفة، وكيف يثبتون الرأى ونقيضه فى آن واحد، فهدّموا الأخلاق، وزعزعوا الإيمان بالقيم، جاعلين المعرفة تنزف تناقضات جعلتها والجهل سواء، فاعتمدوا على ( الميتوس ) أى الخيال والخرافات لا على ( اللوغوس ) العقل، لكنهم رغم كل خطاياهم ولنكن منصفين، فإن السفسطائيين هم مخترعو فن الخطابة وتزويق المعانى وإلباسها سحراً خفياً، وهم أول من اخترع علم اشتقاق الكلمات (الإيتيمولوجيا ) ، ولهم الفضل الأكبر فى دراسة كافة أنواع البراهين، ولهذا فإنهم يستحقون عن جدارة لقب ( سادة فن الكلام ).
ولنا فى زعيمهم أسوة سيئة! " بروتاغوراس " (487 – 420 ق. م) الذي ابتكر أسلوباً سمى ب ( القياس الإحراجى )، دعونا نتأمل سوياً موقفاً كاشفاً ليس لهذا الأسلوب فقط، وإنما تبياناً للقضية الخالدة عند السفسطائيين وهى إثبات الرأى ونقيضه.
اتفق ( بروتاغوراس ) على تعليم المبادىء القانونية لأحد تلامذته، وتم توقيع العقد بينهما على أن يدفع الطالب نصف المبلغ المتفق عليه قبل بدء الدراسة ويتم دفع النصف الثانى عندما يكسب الطالب أول قضية له فى المحاكم، وسار الاتفاق كما يجب، إلا أنه قد مرت سنوات عديدة ولم يف الطالب بوعده لأستاذه، فما كان من ( بروتاغوراس ) إلا برفع دعوى قضائية أمام المحكمة فى أثينا مستغلاً أسلوب القياس الإحراجى الذى ابتدعه مطالباً بالآتى:
أولاً – إذا خسر التلميذ القضية وجب عليه أن يدفع القسط الثانى بمقتضى حكم المحكمة.
ثانياً – إذا ربح التلميذ القضية وجب عليه دفع القسط الثانى بموجب العقد المبرم بينهما باعتبارها أول قضية يربحها التلميذ.
وهكذا فإننا نرى من خلال دعوى السفسطائي الأكبر ( بروتاغوراس ) أن الطالب سوف يدفع المبلغ المطلوب فى كلتا الحالتين سواء ربح أم خسر القضية! لم تنته القصة بعد، فالطالب كان قد تعلم السفسطائية كما يجب، فرد على أستاذه رداً بليغاً مفحماً، إذ طالب فى مرافعته بالتالى:
أولاً – إذا ربح التلميذ القضية فإنه لن يدفع شئياً بمقتضى حكم المحكمة.
ثانياً – إذا خسر الطالب القضية فإنه لن يدفع شيئاً لأستاذه بموجب العقد المبرم بينهما، لأنها ستعتبر قضية لم يربحها التلميذ.
وهكذا نرى أن الطالب لن يدفع شئياً لأستاذه سواء ربح أم خسر القضية، يا له من طالب شديد الدهاء تفوق على أستاذه، فجّرعه السم الزعاف الذى تلقاه على يديه!
ولنا فى زعيمهم أسوة حسنة! كتب ( بروتاغوراس ) فكرة كان لها أعظم الأثر على العلم بعد ما يقارب ألفين وأربعمائة عام، فما هى تلك الفكرة؟ لقد كتب يوماً ما [ أن قيمة الأشياء نسبية ، فليس ثمة شيء خير من نفسه أو شر فى نفسه، وإنما هو مزيج من الخير والشر و العدل والظلم ] ، قد تبدو الجملة بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل عمقاً باطنياً استلهمه العقل البشرى الأفضل فى التاريخ " ألبرت اينشتاين" ( 1879 – 1955 م ) ، واستخرج منها نظريته الخالدة ( النسبية )، تلك النظرية التى قلبت العالم رأساً على عقب ، فدمجت الزمان بالمكان فظهر لنا مصطلح ( نسيج الزمكان )، وأصبحنا بعدها نحلم أن نسير بسرعة الضوء الخارقة حتى يتوقف الزمن، ونكون حينها خالدين فى اللانهائى!