رئيس الحزب ومجلس الإدارة موسى مصطفى موسى

رئيس التحرير عبد النبي عبد الستار

فن وثقافة

تداعيات الغربة..قصة قصيرة يكتبها : الدكتور محمد علي ماهر

الأديب الدكتور محمد علي ماهر
الأديب الدكتور محمد علي ماهر

ينطلق سعيا الى استرخاءٍ مؤقت، مع سماعه صفير إنذار فسحة الغذاء عقب اجهاد مضني في دوام الفترة الصباحية، ربما يبدي صاحبنا شعورًا بإرهاق وجداني يفوق نظيره البدني !

تسكنه أوجاع العزلة وآلامها، لكنها خارج الوطن اثقل واشجى، يرتطم أزيزها بأوداجه فيصم أذنيه، فتنسدل ستائرًا قاتمة على محجريه، لتخلفها خيالات قديمة تحتل مقلتيه، فتبتلع غربته فينماث في سيلٍ من الذكريات.

يرتد بُرعمًا في آوان الزهور، يركض مع أطفالاً في مثل عمره، يركلون كرة صناعة يدوية من البالون والجوارب، إنها لازمة الحي المتواضع الذي يقطنه، يرشحه جيرانه كرهًا أن يكون حارس مرمى لضعف مهاراته في تمرير الكرة...

يتجهم ومحياه يستهجن موقعه في الفناء :

لماذا لا تكلفون غيري بهذه المهمة الرثة !؟

ينهره آخر بصفاقة تمزق أحشائه :

أنت سبب خسارتنا في المباراة السابقة، لإنك لم تفلح في الزود عن فريقك كما ينبغي !

لكنك أيضًا تشتركون معي في الهزيمة؛ كيف تحملونني مسئوليتها ؟

هاك مالدينا؛ فهاك مالدينا؛ فإن كنت لا ترغب في اللعب، فغيرك ينتظر دوره...

يستبدله الكابتن بأحد القابعين على مصطبة الإحتياطي، فيفيق من غفوته مطرقًا، ثم ينتبه إلى غرفته الضيقة المخصصة لراحة الدوام، يقضم ساندوتشًا شهيًا من السمك المقلي لذيذ المذاق، بيد أنه مازال لايكترث بطعمه، فمرارة الغربة تطغى على حلاوة الشطيرة، فتسري في جوفه منزلقة لتتسرب إلى فرائصه، وتجعله خانعًا مستسلمًا لتصرفات القدر.

يغيب ثانية في لجة من صورًا ذهنية لسن المراهقة، فطالما رغب دومًا أن يصير له دورًا في الإذاعة المدرسية، يا لحسرته.. فليس لديه موهبة تتسم بالخطابة، فعندما إختبره مدرس اللغة الإنشائية تلعثم وإضطرب، وتسللت إلى جسده هنيهة قشعريرة ذهبت مع إخفاقه !

لكنه تحدَّى نفسه، وإعترض مثرثرًا :

إمنحني فرصة أخرى يا أستاذ، وسأفلح في القادمة

يهز المعلم هامته وهو مغمض العينين، مومئًا بالرفض :

لا تتمتع بالفصاحة هي ملكة ليست لديك...

يعود مرة أخرى إلى قفص غربته، وهو ممدد القامة على أريكة خشبية، يتناول قدحًا من القهوة الساخنة، يشهق دخان سيجارة فيعكس إتجاهها كالريح، فيتمدد فراغ رئتيه مثلما تعبأ القوارب المطاطية، ثم يمضي إلى مرحلة جذوة الشباب، وهو في نهاية إتمامه للشهادة الجامعية، يترك أسوارها الممتدة مغادرًا، ثم يلج إلى إحدى الإحتجاجات المحتشدة، يتفاعل مع زميله المحمول على منكبيه، فيعطيه إرتفاعًا على من حوله، يصيح فيهم بترديده شعارات جوفاء، مع تشتت جسم المظاهرة كيفما ينسكب الماء على البهو لتنظيفه، ويسأل أحد أقرانه :

مامطالبكم اليوم ؟

يزجره رفيقه بحدة قاطبًا حاجبيه :

ألا تدري حقًا ماهي مطالبنا !؟

يزدحم الطلاب في الشارع المواجه للجامعة كأمواج البحر في مد وجذب، فإذ بهراوة ترتطم بجمجته فتفجر ينبوعًا من دماء يشق سبيله على جبينه، فيحمله أصدقاءه كتمثال مثل لصوص التحف الأثرية الفرعونية، ثم يزجو به داخل سيارة إسعاف، فيشعر أنه مثل المواد الغذائية المحفوظة بمبردات الثلاجات، ينتبه للحيز المكاني الكائن فيه، يسحق ثمرة تفاح حمراء يانعة، نظره متسلط صوب التلفاز، يشاهد فيلمًا مصريًا عتيقًا، فيبتسم إلى ان يغط في موضع آخر، عندما نهرته فتاة اعجب بها من زميلاته، وتقدم لخطبتها، صدته مذدرية أياه لعفويته المفرطة، علقت همسًا ساخرة (لست أنت من تلوذ بك، وتطمئن المرأة إلى كنفه)..

وأثناء إحدي المقابلات الشخصية لشغل وظيفة ما، ينتصب خارج الغرفة التي يرتكز فيها مدير الموارد البشرية (الإتش آر)، ثم تفغر له الحجرة فيقابل شخصًا عابثًا غير مبال به، يرتدي بذة فاخرة من الصوف الإنجليزي، يعلق النظارة على جوهرتيه فتبرز متوهجة من شرفتها، يشيح بيده غير عابئ به، ينطق متاففًا :

إجلس

يتكأ صديقنا على كرسي من الجلد السميك (الكاوتش)، دون أن يريح فقرات ظهره، يسند كلتا يديه المتذبذبتين على فخذيه متربصًا جزعًا لإحراجه من قبل المختبر.

شكرًا يا فندم

ها أخبرني ألم يسبق لك التقدم لشغل مثل هذه الوظيفة من قبل ؟

لا حضرتك فأنا حديث التخرج

أعلم ذلك فأوراقك توضح ذلك الشيء، وما كنت أريد تلك الإجابة، اترك رقم هاتفك مع السكرتيرة، وسوف نكلمك لاحقًا..

يخرج من الشركة حائرًا هل سيتصلون به ؟، ام أن تلك الوظيفة شغلت مسبقًا، وهي مجهزة خصيصًا لأحد أقرباء المديرين العاملين بالوظيفة، تسكع كي يستقل إحدى الحافلات المكتظة بالركاب، يلحق به أحد العاملين قبل أن يهم بالركوب، يعطيه رقم لأحد شركات التوظيف بالخارج، يتصل بها فيحدد ميعادًا يسفر عن قبوله، ولكن هيهات لقد أجَروه بعقد سنوي ثمنه بخس دراهم معدودة، إنفرجت أزمته على مضض، رحل وغادر بلده هربًا من واقعه الغث، إستفاق على صفير إنذار نهاية الراحة، فشرع في النهوض على عجل كأنما يعاود الهرب، وإنهمك حتى إلتهمه عمله، وهو يتمنى ألا ينتهي دوامه كي لا يعود للوحدة الموحشة...

7dcded356160de3582e265a220ed434d.jpeg